يبدو أن الصهيونية العالمية أدركت أن حلم إسرائيل الكبرى لن يتحقق بقوة الاستعمار العسكري، لأن تعداد الصهاينة لن يكفي لملء تلك المساحة الجغرافية، لذلك تم الاستعاضة عنها بما أطلق عليه الاتفاقات الإبراهيمية والسلام الاقتصادي، الذي يقضي بتأمين المحيط الإسرائيلي بمساحات اقتصادية مثل "ريفييرا الشرق الأوسط" بقطاع غزة، و"مدينة ترامب الاقتصادية" بجنوب لبنان، وممرات اقتصادية تمتد من الهند حتى ساحل إسرائيل ومنها لأوروبا، ويتم تكبير مساحة إسرائيل الحالية بضم الضفة الغربية وقطاع غزة، وجنوب سوريا، لاستيعاب السكان الصهاينة.
عندما يمر طريق التجارة العالمي من الهند إلى حيفا عبر الإمارات والسعودية والأردن، فذلك بمثابة "سلك شائك" لإسرائيل الجديدة، وتصبح سيادة إسرائيل ليست رغبة صهيونية، بل مصلحة دولية، ولا تحتاج للاعتراف الدولي، كما أن الممر يقضي على فكرة حل الدولتين، بتحويل المناطق الفلسطيني لنقاط عبور.
ولا نستبعد أن يكون اللقاء السابع بين ترامب ونتنياهو في واشنطن يوم الأربعاء 11 فبراير 2026، والذي استمر 3 ساعات خلف الأبواب المغلقة، قد تضمن صفقة الاستيطان الصامت بالضفة الغربية مقابل عدم وضع الألغام في طريق صفقة إيران، فبينما يقول ترامب للإعلام "أنا ضد الضم" يواصل ائتلاف نتنياهو، الضم بأسماء إدارية لعدم استفزاز ترامب الذي يكره كلمة الضم، ويريد الهدوء لتمرير اتفاق إيران، للتفرغ لحربه مع الصين، تاركاً ضم الأرض التي يريدها نتنياهو في صمت، وذلك ما يحدث بتصديق الكابينت على قرار يمنح إسرائيل صلاحيات الهدم والرقابة في المناطق (أ وب) الخاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية، وتسهيل شراء المستوطنين للأراضي بصفتهم الشخصية لتغيير ديموغرافيا الأرض دون الحاجة لإعلان السيادة. "فلتعمل الجرافات في الهدم وإعادة بناء المستوطنات بعيداً عن الكاميرات، وتطلق واشنطن والعواصم الأوروبية والعالمية بيانات التنديد ولا يفوتنا أن ما يشجع الاحتلال على تسريع وتيرة قضم الأراضي الفلسطينية بالضفة هو الهدوء التام للسلطة التي تكتفي بالبيانات والتصريحات الرنانة، تصريحات العويل والصراخ، وكذلك الهدوء النسبي للمقاومة على عكس غزة.
وتأتي "ريفييرا غزة" في سياق إعادة صياغة حلم إسرائيل الكبرى، بتحويل الاستيطان لفرص استثمارية، وهو ما يقوم الجيش الإسرائيلي بتنفيذه حالياً بتفريغ غزة من سكانها والمقاومة، لتسليمها نظيفة وجاهزة لإقامة واجهة بحرية استثمارية تليق بأفضل منتجع عالمي، وبالتالي تحقيق حلم المستوطنين بالعودة لـ "غوش قطيف" بصبغة عصرية، وفرض السيطرة الأمنية الإسرائيلية لضمان أمان المستثمرين. بمعنى أخر "تقديم حلم إسرائيل بورق هدايا بتوقيع شركات المقاولات العالمية".
أما مدينة أو منطقة ترامب الاقتصادية في جنوب لبنان، فهي ليست مجرد مصانع ومنتجعات، بل هي مشروع لتحويل ساحة المواجهة لمنطقة استثمارية عازلة تضمن هدوء جبهة الشمال دون الحاجة لاحتلالها عسكرياً، وتفكيك الحاضنة الشعبية للمقاومة بالوظائف والاستقرار والرفاهية، وتصبح الحدود اللبنانية جزء من منظومة حماية البيزنس وخدمة حلم إسرائيل الكبرى بتأمين محيطها الحيوي من خلال ما يطلق عليه "الانتداب الاقتصادي الناعم".
ولا يتوقف طموح الانتداب الناعم عند حدود لبنان، بل يمتد للجنوب السوري الذي يراه ترامب 'مساحة عقارية معطلة'، ويرغب في تحويله، خاصة درعا والقنيطرة، إلى "ساحة ترانزيت" تربط بين الأردن والساحل السوري-الإسرائيلي، لتأمين تدفق البضائع دون خوف من المقاومة والصواريخ الإيرانية، لخدمة ممر التجارة العالمي "طريق الهند - حيفا"، لذلك "سيطرح ترامب بعد تثبيت الأوضاع في غزة وإتماما صفقة إيران، إعادة إعمار الجنوب السوري عبر شركات خليجية وأمريكية، بشرط طرد الوجود الإيراني تماماً، وتحويل المنطقة إلى "منطقة حرة" تخدم الموانئ الإسرائيلية.. وإسرائيل تريد تأمين محيطها ليس بالاحتلال العسكري فقط، لكن بمناطق عازلة تجارية لخنق محور المقاومة في لبنان وسوريا وفلسطين والعراق، ولذلك هي تعمل على توسيع الحزام الأمني تمهيداً للاستيطان الزراعي والسياحي باستغلال الموارد المائية والأراضي الخصبة في درعا والقنيطرة، والجولان انتهى أمرها باعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية عليها.
الخلاصة بيزنس ترامب يعيد صياغة مفهوم إسرائيل الكبرى بشكل عصري من خلال المناطق الاقتصادية، ويحصن إسرائيل المركزية بمشاريع الطاقة والزراعة العابرة للحدود، في عملية قضم هادئة للجغرافيا العربية لصالح إسرائيل الكبرى بتوقيع المطور العقاري ترامب، وتنفيذ نتنياهو بتمهيد الأرض عبر الهجمات الجوية والعلميات العسكرية البرية لتهجير السكان، والمباني والزراعات لتمهيد الأرض للاستثمار، واستبدال الرصاص بالريال والدولار، وتحويل ساحات المقاومة لمشاريع اقتصادية دولية يحميها رأس المال العالمي، وخلق مقاولين من الباطن محليين مثل أبو محمد الجولاني في سوريا، وعصابات أبو الشباب وغيرها في غزة، وفي لبنان يوجد حزبي الكتائب والقوات الذين سبق لهما ـ ولازال ـ التعامل معهما، بالإضافة لرئيس الحكومة المتماهي مع تلك السياسات، لأن وجهة النظر الأمريكية الإسرائيلية تفضل التعامل مع مقاولين يسهل التحكم فيه عبر المال والصفقات.
مخطط إسرائيل الكبرى عبر البيزنس يدركه المهندس الصامت في مصر، ويواجهه بإصراره على تثبيت لجنة التكنوقراط الوطنية في غزة، ورفض أي 'انتداب ناعم' يمس السيادة العربية، ورفض التهجير تحت أي مسمى.. وشمشون صانع السجاجيد في إيران يوافق على إبرام صفقة مع أمريكا تحفظ صواريخه الباليستية ومسيراته وحقه في امتلاك نووي سلمي، وكانت الرسالة الإيرانية في مفاوضات مسقط الأخيرة (6-8 فبراير)، واضحة "أمن الممرات الملاحية مرتبط باحترام السيادة الإقليمية، وإذا كنتم تريدون البيزنس اقبلوا بشروطنا على الأرض".. والمقاومة صمتت وأبدت استعدادها للتعاون وانحنت للعاصفة لإدراكها أن الاستمرار في استنزاف ما تبقى من قدرات بشرية وبنية تحتية في ظل "ضوء أخضر" أمريكي لنتنياهو هو انتحار مجاني.
الثلاثي المصري والإيراني والمقاومة أرتضى بتلك الهدنة المؤقتة رحمة بالناس من الإبادة، وهو الجانب الإنساني العميق في هذه الصفقة، القاهرة تضغط لأنها تدرك أن ثمن "البطولات الآن هو محو جيل كامل من الفلسطينيين، كما أنها تسعى للحفاظ على الوجود الفلسطيني فوق الأرض، وإفشال مخطط "الأرض المحروقة" الذي ينفذه نتنياهو لتمهيد "ريفييرا غزة".. وإيران تريد رفع العقوبات لاسترداد أموالها وتحسين الأوضاع المعيشية للإيرانيين، واستكمال مشروعاتها العسكرية في هدوء، والمقاومة ترمم ذاتها.. والثلاثي يعلم أن المواجهة قادمة وحتمية، لكن متى (؟) ذلك هو السؤال الذي نجيب عليه في لقائنا القادم.
--------------------------------
بقلم: محمد الضبع







